
لطالما تأملت والدتي بنظارتها السوداء,رائحة أقمشتها, وتلك العلبة الحمراء التي تحتفظ فيها بالكثير من الخيوط الملونة الجميلة. صوت ماكاينة خياطتها, القطع البسيطة التي تنسجها أو تصلح مافيها كل ذلك أشتاق له وأكثر. نسيت تلك العادة التي تحدثني فيها وتنظر إلي من فوق عدسة نظارتها وتقطع حديثها كل خمس دقائق لتطلب مني مقصها الذي تأخذه أختي في كل مرة ولا يعود.لم أدرك كم كنت منشغلة لفترة طويلة بكل مايدور في حياتي الأكاديمية حتى اليوم. عشت اللحظات الجميلة,صوت الماكينة,الخيوط المتشابكة,الابر التي تخز يدي في كل مرة أحاول إخراجها ,وحديث لم أعتقد أن والدتي ستعيد روايتة لي يوماً. الهدوء والوقت بعد المنتصف الليل ووالدتي تحكي لي كيف ربتها والدتها وكانت بجانبهم كما تفعل هي معنا الآن. سكتت قليلاً ثم ضحكت حتى احمرّ خديها وقالت لي: إلا أنتي لم أكن بجانبك حينما احتجتِ لوجودي. لم أكن لجانبك لتخبريني مباشرة, لأبعد عنكِ الخجل الذي قد يعتريك. بلغتِ وأنا بعيدة عنك. وتلقيت خبر بلوغك عبر الهاتف وعلمت أيضاً أنك الأسوأ حظاً من بين أخواتك وأن صبيان العائلة ضحكوا جميعاً عليك. كل ذلك وأنا أضحك بخجل وهي تكمل بعض التفاصيل التي لا أتذكرها أبداً. تقول: عندما عدت من السفر وخطت قدمي آخر درجة رأيتك أمامي تقفين على باب غرفتك وتهرعين إلي لتقبليني وكلك خجل استطعت أن أراه من بعيد. مشينا وكنت تمشين بخجل,ملاصقة للجدار وكأنك قد ارتكبتِ خطئاً يستحق العقاب. دخلت معك غرفتك وتحدثنا واخبرتكِ أني أعلم عن كل شئ وأني لم أكن بجانبك في وسط ظروف العزاء وموت خالتك المفاجئ وحيرتك. قاطعتها وأنا أضحك وأخبرتها كم ساعة قضيتها في حمام أخي مختبئة ومتربعة على الأرض وأبكي. أتذكر كيف أن نصائح زوجة عمي لي كانت غريبة وأني اعتبرتها كدخيلة على عائلتنا في ذلك الوقت برغم قربها مني. أخبرتها أيضاً كيف أني تحملت مضايقة اخوتي وتعليقاتهم السخيفة. كنت أخجل حتى من المرآه عندما تعكس لي ملامح وجهي. ولكن في داخلي فرح غريب. فأنا ناضجة الآن,دخلت مرحلة جديدة من حياتي ومهما كان الأمر مخجلاً إلا أنه يستحق الفرح. فتحت مذكرتي البنية التي يتوسطها قلب فضي يحمل صورتي وأعز صديقة لي. وبدأت بالكتابة عن هذا اليوم الغريب جداً في حياتي كطفلة. انتهى اليوم وقبل أن أنهي حديثي لوالدتي أخبرتها بأن أول من اعترفت له هي صديقتي لأنها الوحيدة التي تفهمني. ابتسمت والدتي وهي تتأملني ابنتها ذات الـ22 عاماً التي لطالما أمسكت بعباءة والدتها خوفاً من أن تخسرها. قالتها: تأخر الوقت,تصبحين على خير. وانتهت جلستنا التي ستبقى كأجمل الذكريات